مقال صدر بموقع بوابة تونس يوم الخميس 5 فيفري 2026
عبدالسلام الزبيدي
على مدى 439 صفحة تختلط الأجناس وتتشابك. ليتجوّل القارئ على تخوم السيرة الذاتية والمراجعة لمسيرة شخصية ونضالية، متنقّلا إلى حمى التأريخ للحاضر والشهادة عليه، وتقديم سردية لتاريخ تونس المعاصر بدءا من لحظة الاستقلال وتأسيس الجمهورية وصولا إلى تونس اليوم: الآن وهنا. وفي الختام تُحَطُّ الرحال على حدود تقديم برنامجٍ يَنُوسُ بين برنامج إنقاذ وطنٍ أنهكته إدارة الفشل وأدمن إضاعة الفرص، وبرنامج انتخابي لاستحقاق المهمّة التنفيذية الأساس والأعلى، ألا وهي رئاسة الجمهورية التونسية.
ضمن هذا الأفق، يتموضع كتاب “تونس الممكنة” لعماد الدائمي الناشط السياسي والجمعياتي والنائب المؤسس ومدير الديوان الرئاسي وباعث مرصد رقابة والمترشّح للانتخابات الرئاسية سنة 2024. وبين المقدّمة والخاتمة، وزّع المحتوى على سبعة أبواب، وخمسة وعشرين فصلا متفاوتة الحجم، وغابت عن الفهرس التقسيمات الفرعية داخل الفصول. والكتاب صادر عن دار العودة بلبنان خلال شهر نوفمبر 2025.
من ثراء المضمون والمرجعيات إلى “الفراغات”
لن أذيع سرّا إنْ كشفت عن حيرتي في تحديد أيّ المداخل هي الأنسب للكتابة في هذا المُؤَلَّف وعن هذا المؤلِّف. فالمداخل متعدّدة والأبواب متفرّقة، وكلّها ممكنات تؤدي إلى تسليط بقع ضوء لا تفي بغرض التعريف ولا النقد. وذلك لثراء المضمون، وتعدّد المرجعيات، وتشابك المصطلحات والمفاهيم، وغزارة المعطيات، وكثرة الأحداث.
ولعلّ الأهم من ذلك أنّ كلّ فقرة من فقرات الكتاب تقريبا تُغري بالحوار لمساءلة الضمنيات، والاعتراض على عديد التقييمات والأحكام والعبارات المعيارية، ودفْع المقولات إلى أقصاءها، والبحث عن الفراغات أو البياضات في الكتاب وأهمّها على الإطلاق هو ما قفز عليه المؤلف تحت يافطة أو ضمانة أنّه واعٍ بها. ويتمثّل هذا “البياض” في كيفية الوصول إلى اللحظة التي تُمكِّن من تنفيذ ما خطّته يمين الكاتب باعتباره مشروع إنقاذ وطني، بداء بالمانفيستو والتعاقدات والهيئات الوليدة وآليات الإصلاح في كلّ القطاعات والبرامج شبه التفصيلية.
وهنا نهمس في أذن المؤلف، بأنّ القول بأنّه تجاوز هذا الأمر بوعي، لن يمنع القارئ من مساءلته حول هذه “القفزة في المجهول”، خاصة وأنّها تترك ” تونس الممكنة” معلّقة بين خطاب مُبهم وفي أدنى الأحوال مُضمر لدى الكاتب، وبين واقع في عكس اتّجاه النصّ. فكلّ السردية التي بناها الدائمي من لحظة الاستقلال إلى لحظة ما بعد 25 جويلية 2021، غرضها التمهيد إلى أنّ تونس أخرى ممكنة، وهو يمدّنا بكيفيات إمكانها في لحظة تاريخية ما، لكنّه يغفل أو يتغافل عن تحديد كيفية تحقيق شرط الإمكان.
صحيح أنّ الكاتب أومأ إلى المسارات الممكنة أو المحتملة لتحقّق ذلك الشرط، لكنه أحجم عن الغوص، في تقديري، لأكثر من سبب. أوّلها أنّ القارئ الحصيف سيتوقّف حتما وبالضرورة عند غوص المؤلّف في الحديث عن الدولة العميقة ومكوّناتها وأبعادها باعتبارها المحدّد غير المرئي في معظمه للتوجهات السياسية والخيارات الاقتصادية ولصناعة النخب الاعلامية والثقافية وغيرها. وذات القارئ يدرك أنّ مسارات التغيير في التاريخ معلومة، وتونس ليست استثناء، ولذلك كان النأي بالنفس عن ولوج عالم السيناريوهات والمستقبليات.
في تشريح “الدولة العميقة”
ويمكن القول بكثير من الاطمئنان إنّ من مواطن التميّز والامتياز في كتاب الدائمي تشريحة لمصطلح الدولة العميقة في تونس. فهو يعتبرها “منظومة متماسكة، تجمع بين البيروقراطية الإدارية، والامتياز العسكري، والولاء الأمني، وشبكات المال، في تحالف غير معلن يمسك بخيوط اللعبة من خلف الستار” (الصفحة 60). وبعد 17 صفحة يذكر أنّها “التحديث المؤسسي للعصبية وطاقتها الخفية التي تنظّم الولاءات خارج منطق العقد المواطني. هي تحويل للعصبية إلى قواعد انتداب وترقية غير مرئية، قائمة على أساس الولاء، وشبكات قرار محمية بالقانون والإدارة والأمن”.
وهذه مجرّد عيّنة عن قدرة المؤلف على المزج بين الخبرة النضالية والتجربة السياسية والإدارية والعمق النظري. فمقولة الدولة العميقة ليست مجرّد شمّاعة لإخفاقات تجربة حكم وتمثيل نيابي ونشاط سياسي وجمعياتي، بل هي حقيقة من الضروري مقاربتها علميا من مداخل العلوم السياسية والاجتماعية، حتّى تكون تونس الممكنة على غير مثال “تونس الفشل التنموي والسياسي” شبه الدائم.
إنّ تلك المراوحة بين التعريف بالمكوّنات، والتعريف بالوظيفة، ثمّ التأصيل المفهومي اعتمادا على ما تكتنزه أنفسنا العميقة حضاريا من خلال الاستنجاد بالعدّة المفهومية الخلدونية، ليست إلاّ عيّنة عن أسلوب عماد الدائمي في الكتابة. ونحن نجد مثيلاتها مبثوثة بين دفّتيْ الكتاب، وذلك بغض النظر عن مدى التوفيق فيها. وكلّ مقصدي في هذا المقال الدعوة إلى الإطلاّع من خلال الدخول في حوار عن بعد مع المولِّف حول مؤلَّفه.
من أراد محاورة الدائمي في كتابه وحوله، فإني له ناصح بأن يتربّص له من الناحية المفهومية عند مفاهيم الدولة والسياسة والتعاقد والثورة والتغيير والإصلاح والتعايش والاختراق وساعة الإغلاق، والفرص ومن بينها حدث 25 جويلية باعتبارها فرصة. وقد تكون لي عودة في مقال ثان إلى هذه المفاهيم، وإن تعذّر، فإنّي أنصح القارئ بالوقوف عندها لهتك أسرار مرجعياته وضمنياته ومراميه، ومقاصده. وحول المقاصد ذكر الدائمي، أنّ “الكتاب لا يقدّم دليلا للنضال الميداني، بل خارطة طريق إلى ما بعد ذلك النضال” (الصحفة 418).
مضامين الكتاب
لا يسعفنا هذا الفضاء وطبيعة المقال في ذاته لمزيد التفصيل، فقد تكون لنا عودة قريبة. واحتراما لأدبيات التقديم نستعرض عناوين أبوابه تعريفًا وتشويقا.
عنون عماد الدائمي مقدّمته ب”حين يصبح الأمل فعلا سياسيا”، وجعل من الخاتمة نداءً لتأسيس المستقبل. وخصّص الباب الأوّل بفصليه لما أسماه بعقدة التأسيس. فجاس خلال تاريخنا الحديث متحدثا عن فشل النموذج التنموي من الاستقلال إلى ما قبل الثورة، مقدّما سردية حول عهدي الرئيسين الراحلين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. وما كتبه يثير الجدل، حول الأشخاص والخيارات والمناويل والمنجزات والعثرات، وحول الدولة العميقة ذاتها.
أمّا الباب الثاني فعنوانه “عقدة الانتقال”، وفصوله ضعف ما ورد في الباب الأوّل. والباب في تقديري في أغلبه شهادة على العصر وتأريخ للحاضر ومراجعة للسيرة الذاتية السياسية، وهي ملأى بالاعترافات. وهذه المراجعة وحدها يمكن أن تكون محور منتدى وليس مجرّد مقال. وأكتفي هنا بالقول، إنّ تلك المراجعة الشجاعة ذات حدّين، أي يمكن أن ترتدَّ سلبا على قائلها.
وخصصّ الدائمي الباب الثالث بفصوله الثلاثة إلى ما أسماه بالردّة الشعبوية، معتبرا إياها خطرا وجوديا على الدولة، ومحذّرا من مآلاتها القاتلة للسياسة والمؤدية إلى إماتتها.ثم خلص في الباب الرابع إلى تفصيل القول في “إحياء السياسة بعد موتها”، داعيا إلى نمط جديد من الزعامة وإلى تعاقد وطني جديد وسردية ديمقراطية بديلة.
وشدّد الكاتب في الباب الخامس على أنّ “التغيير القادم مع الدولة وليس ضدّها”. وذلك عبر إعادة بناء الدولة من الداخل، وإنجاز نموذج تنموي بقيادتها ضمن مصالحة من أجل مستقبل مشترك وبشراكة استراتيجية مع الشباب. وقدّم في الباب التالي دروسا من التجارب الدولية.
وكان الباب السابع والأخير بعنوان “من ضفاف اليأس إلى شواطئ الأمل”، قدّم فيه مضامين العقد الاجتماعي الجديد، داعيا إلى ثورة اقتصادية جديدة، وواضعا خارطة طريق التحوّل وفق خماسيات. لكن الدائمي لم يعلمنا من أين ينطلق الاحتساب، وتلك هي المعضلة التي قد تجعل كتابه معلّقا على الآمال حتى لا نقول الأماني.