الأستاذ جلال الورغي : تونس المستحيلة وتونس الممكنة
في الوقت نفسه تم إخضاع القضاء وضُرب مبدأ استقلاله، ليتحول إلى مجرد وظيفة تأتمر بأوامر السلطة التنفيذية وخياراتها. وباتت إدارة الدولة ومؤسساتها تدار بطريقة ارتجالية تفتقد للحد الأدنى من المعقولية والتقاليد الراسخة. ولقد باتت الخشية من تفكك مؤسسات الدولة وتقويضها، شعورا عاما لدى النخبة السياسية.
وقد فاقم هذا المشهد المتردي ما لا تخطئه عين المراقب، من انحراف الدبلوماسية التونسية عن معالمها الأساسية وثوابتها الأصيلة، المتسمة عادة بالانفتاح والحياد الإيجابي، والحركية النشطة.
إذ بات الانكفاء السمت العام للدبلوماسية التونسية، بينما تسببت المواقف الدبلوماسية غير المدروسة التي ينفرد بها قيس سعيد بحالة من التوتر أو الفتور مع المحيط الإقليمي، والأفريقي، والعربي، والدولي.
إذ لا يدرك نظام الحكم القائم أهمية البعد الخارجي لتونس كرصيد حيوي بأبعاد سياسية واقتصادية وأمنية إستراتيجية، لا يجب المغامرة بها أو تبديدها. فتونس تحوز بسمتها المنفتح والمفتوح كفضاء جغرافي وحضاري، رصيدا، وهو في الحقيقة سر قوتها وتألقها.
وفي هذا المشهد السياسي القاتم، اختار الرئيس أن يكون هو صاحب كل السلطات، وسيد كل الخيارات وراسم كل السياسات، مكرسا الحاكم المطلق والحكم المطلق.
وفي مشهدية غير تقليدية، اختار أن يكون وحده صاحب الخطة الاتصالية للحكم والقائم عليها والمعبر عنها من خلال خطابات متوترة أساسها: تخوين الخصوم، والتحذير من الأعداء، وزيارات فجائية يقوم بها بعد منتصف الليل، ويترأس اجتماعات الحكومة ولا يتحدث فيها غيره، ويلتقي الوزراء ثنائيا لتلقينهم سياسات وزاراتهم.
مشهدية دُفع من خلالها الإعلام الرسمي إلى استبعاد الحوارات السياسية التعددية، والاكتفاء بمنابر تفسر وتشرح خطابات الرئيس ومواقفه وخياراته المعلن منها وغير المعلن.
هذا التردي العام الذي تعيشه البلاد حولها إلى ما تشبه “تونس المستحيلة” التي ليست هي هي، ولا هي غيرها، وإنما هي صورة من أبهت صورها، متوترة محبطة ومنكسرة.
فقد عاشت تونس منذ الاستقلال حقبات من الاستبداد والحكم القمعي، ولكن كان هناك دوما حرص على إخراج الأوضاع في مشهد معقول، سواء بإبراز المؤسسات الدستورية للحكم، أو من خلال الكفاءات الكبيرة التي كانت تشغل المهام الوزارية، أو من خلال خطط حكومية واضحة المعالم، بغض النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف معها.
كما كان الحرص واضحا على ترويج صورة جلية وسمعة جيدة لتونس على المستوى الخارجي، من خلال دبلوماسية نشطة. ويؤطر كل ذلك سياسة اتصالية تظهر صورة بهيجة لتونس رغم كل الظروف الصعبة، وذلك من خلال خطاب تبشيري مطمئن، وروح احتفالية تحرص أنظمة الحكم على ترسيخها باستمرار، بغض النظر عن صعوبات الواقع. والحقيقة أن هذا التمشي “الرسمي” وإن بدا دعائيا واستعراضيا، إلا أنه يعكس السمت العام لتونس وشعبها، وهو سمت يميل للفرح والسماحة، ويحتفي بما يملك وبما يحلم.
تتجلى الرسالة واضحة اليوم من خلال “تونس الممكنة” و”الأمة الممكنة” أن “تونس المستحيلة” التي يقودها قيس سعيد اليوم، غير قابلة للحياة ولا الاستمرار، لأنها تبدو متناقضة تماما مع طبيعة تونس وطبيعة التونسيين.
في ظل هذه المناخات السلبية والأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد وتفاقم مظاهر مخالفة تماما لسمت البلاد التونسية ولسمت شعبها، ما حولها إلى تونس المستحيلة، صدر كتابان يشتبكان مع هذا المشهد القاتم في تونس، ويثيران تساؤلات كبرى، وقضايا وطنية شائكة، ويحاول الكتابان اجتراح أفق جديد يستنقذ تونس مما تواجهه من مخاطر، ويفتح أمام التونسيين مسارات ممكنة للمستقبل، من أجل تونس كدولة ومن أجل تونس كأمة.
فبين كتاب عماد الدايمي “تونس الممكنة”، وكتاب محسن مرزوق “الأمة الممكنة”، تبدو النخبة السياسية التونسية، لم تستسلم للشعبوية السياسية السائدة اليوم، ممثلة في منظومة الحكم، وإنما تنهض في وجهه بأشكال مختلفة ومسارات متشابكة.
وتتجلى الرسالة واضحة اليوم من خلال “تونس الممكنة” و”الأمة الممكنة” أن “تونس المستحيلة” التي يقودها قيس سعيد اليوم، غير قابلة للحياة ولا الاستمرار، لأنها تبدو متناقضة تماما مع طبيعة تونس وطبيعة التونسيين.
فكتاب “تونس الممكنة” يصدر في لحظة تاريخية فارقة تحتاج ليس فقط إلى طرح الأسئلة الكبرى بل أيضا تلمس أفق الأجوبة الممكنة. ويعتبر مؤلف الكتاب السياسي عماد الدايمي أن ما يطرحه من جهد تحليلي يهدف إلى إعادة تركيب المشهد الوطني في كليته، عبر تتبع جذور الأزمة، وتحليل مساراتها السياسية والاقتصادية، واستشراف أفق قابل للبناء والتنفيذ.
وفي هذا الصدد يقترح كتاب “تونس الممكنة” مقاربة إصلاحية تقوم على إعادة بناء الدولة من الداخل، وإعادة تأهيل السياسة بوصفها أداة للقرار والإنجاز، وربط الشرعية بالقدرة على تحقيق نتائج قابلة للقياس. وتهدف هذه المقاربة إلى نقل النقاش نحو صياغة خارطة طريق تنفيذية، مؤطرة بزمن واضح، وأدوات محددة، وآليات متابعة ومساءلة.
ويرصد كتاب “تونس الممكنة” المرحلة التي تلت 25 يوليو/تموز 2021 بوصفها انتقالا من أزمة منظومة سياسية إلى ترسخ الشعبوية كنمط حكم. إذ لم تقتصر الشعبوية على خطاب تعبوي أو توظيف للاحتجاج الاجتماعي، بل تحولت إلى آلية لإعادة تنظيم السلطة، تقوم على تبسيط الصراع السياسي، وتهميش الوسائط، وتفكيك الأطر التمثيلية التي تؤمن التداول والمساءلة.
وفي البحث عن سبل الاستئناف وإحياء السياسة بعد موات يقترح كتاب “تونس الممكنة” إحياء السياسة بوصفه مسارا تدريجيا يقوم على إعادة بناء الثقة، وتجديد النخب، واستعادة التنظيم والبرامج، وربط الفعل السياسي بالإنجاز القابل للتقييم.
فإحياء السياسة، في هذا التصور، يمر عبر إعادة الاعتبار للتأطير، وصياغة مشاريع واضحة، وبناء فضاءات نقاش قادرة على التحكيم بين الخيارات، بما يعيد للسياسة دورها كوسيط ضروري بين الدولة والمجتمع، وكشرط لإطلاق إصلاحات قابلة للاستمرار.
ويقترح الكتاب أفقا للتغيير يقوم على العمل مع الدولة ومن داخلها، عبر مسار إصلاحي تدريجي يعالج الأعطاب بدل الالتفاف عليها. وينطلق هذا المسار من اعتبار أن الدولة، رغم إنهاكها، ما تزال تمتلك أدوات وقدرات يمكن إعادة توظيفها ضمن رؤية واضحة وحوكمة فعالة.
ويرى الدايمي أن الإصلاح المقترح يمكن أن يرتكز على أربعة محاور مترابطة، وهي: التحديث المؤسسي عبر تعزيز الشفافية والمساءلة داخل أجهزة الدولة. واجتراح نموذج تنموي يقوم على الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي يقلص الفوارق الجهوية، إلى جانب معالجة الماضي بمنطق المسؤولية وبناء الثقة، مع الرهان على الشباب من خلال مقاربة تدفع بالشباب كشريك إستراتيجي في عملية التحول.
تستدبر تونس عاما وتستقبل آخرَ جديدا في ظل مشهد سياسي تكتسحه الشعبوية الرسمية. بينما تصر النخب السياسية على مواجهة هذه الموجة الشعبوية بشتى الطرق، مدركة أن تونس لا يمكن أن تتحمل هذا الوضع المشحون بالتوتر السياسي والانقسام والأزمة الاجتماعية المتفاقمة والوضع الاقتصادي الهش. وضع ينذر بمخاطر غير متوقعة، إذا لم يتم التدارك من قبل الجميع، واحتواء المخاطر الكثيرة التي تحدق بالبلاد، وتهدد سلمها الأهلي والاجتماعي.
وبين “تونس المستحيلة” التي يكرسها نظام قيس سعيد و”تونس الممكنة” التي تبشر بها النخبة السياسية تعيش تونس سنة جديدة من التدافع السياسي، قد يسجل فيه “الممكن” المدفوع بالحق في التغيير والأمل في المستقبل اختراقات نوعية في جدار “تونس المستحيلة” التي تفتقد لشروط الاستمرار والبقاء.
