مقهى سياسي لتقديم الكتاب بباريس – 31 جانفي 2026
مقهى سياسي لتقديم كتاب “تونس الممكنة” يوم السبت 31 جانفي 2026 على الساعة الثالثة بعد الظهر في مقهى Florida المحاذي لمحطة Chatelet-les-halles (الطابق الأول).
شارك في الجلسة قرابة 25 شخصا من الأصدقاء المهتمين بالشأن السياسي والاقتصادي في البلاد ومن الذين لديهم تجارب في إدارة الشأن العام.
وهذا كان ملخص المداخلات والتفاعلات والأسئلة والأجوبة :
التفاعلات بمناسبة جلسة تقديم الكتاب
السبت 31 جانفي 2026
مع ردود وتعليقات الكاتب
السيدة ليليا:
من أخطر مظاهر الأزمة الحالية شيطنة النخب. ولكن في الآن ذاته هناك قطيعة بين النخب والشعب
الدكتاتورية الحالية بعد انقلاب 25 جويلية هي تواصل لدكتاتوريات موجودة في كل الأحزاب والمنظمات والجمعيات في البلاد. >> هناك أزمة قيادة وأزمة انقطاع في سلسلة القيادة في كل الهياكل.
> متفق تماما مع هذا التحليل. من أخطر أطروحات الشعبوية الادعاء بأن الزعيم الشعبوي جاء لينتصر لـ«الشعب النقي» ضد «النخب الفاسدة»، وهي سردية جذابة لقطاعات واسعة واقعة تحت تأثير خطاب «العشرية السوداء» (الباب الثالث). غير أن هذه القطيعة المتراكمة بين النخب والمجتمع هي، في جوهرها، نتيجة انسحاب السياسة من دورها الوسيط، وهو ما يجعل استعادة الثقة مشروطة بإعادة تعريف دور النخب بوصفها مسؤولية وخدمة عمومية، كما يبيّنه الكتاب في باب إحياء السياسة (الباب الرابع).
وفي السياق نفسه، أتفق معك في أن الدكتاتورية التي تكرّست بعد 25 جويلية تعكس امتدادا لثقافة استبدادية ترسخت داخل الأحزاب والمنظمات والجمعيات، حيث جرى تطبيع الزعامة الفردية واحتكار القرار، بما يفسّر هشاشة المناعة الديمقراطية. ويقدّم الكتاب طرحا معمّقا لأزمة القيادة وأسباب انقطاع سلسلة نقل الخبرة والشرعية، مع اقتراح رؤية بديلة للقيادة المؤسسية الديمقراطية باعتبارها شرطا تأسيسيا لأي مسار إصلاحي قابل للاستمرار، مع أمثلة محلية وتجارب مقارنة (الفصل 11)
السيد الطاهر:
الكتاب يبدو موجها للنخب وليس للشعب
النخب مارست السياسة دون معرفة بالشعب
ما هو القصد من القول بأنه لا سياسة دون نخب مسؤولة؟ما معنى المسؤولية؟
الكاتب يقول أنه كتب الكتاب بعقلية المهندس. وأهم شيء في عمل المهندس هو معرفة الواقع والانطلاق من دروس التجربة. أين دروس تجربة الحكم للكاتب؟
الكتاب يخاطب النخب لأنّها هي التي تقرأ، ولأنها تتحمّل مسؤولية مضاعفة في لحظة أزمة وانسداد، وتؤثر بحضورها وكتاباتها وفعلها في تشكيل وعي الناس وفي تحديد مصير الدولة. والكتاب ليس فيه أي تعالي عى الشعب. بل على العكس، هو مليء بنقد صريح لنخب مارست السياسة بمعزل عن المجتمع، دون فهم عميق لتحولاته وانتظاراته، وهو ما ساهم في تعميق القطيعة وفقدان الثقة. ويعتبر أن الخلل الرئيسي الذي أدى إلى فشل التنمية منذ دولة الاستقلال، هو الطابع المركزي التسلطي الاحتكاري لنخب الدولة على حساب المجتمع وأطره وموروثه، بشكل جعل البلاد كعربة تسير بعجلة واحدة (الدولة) وتجر العربة الثانية المعطلة (المجتمع) (الباب الأول).
وعندما يقول الكتاب إنه لا سياسة دون نخب مسؤولة. المسؤولية هنا تعني القدرة على الفهم والإنصات وتحمل كلفة القرار، وربط الفعل السياسي بالمصلحة العامة لا بالشعبوية والشعارات أو الحسابات الضيقة. المسؤولية أيضا هي نبذ منطق “السياسة فن الممكن” واعتماد منطق “السياسة فن تحويل الضروري إلى ممكن”. أي الانتقال من واقعية استسلامية إلى واقعية نضالية. بهذا المعنى، النخبة المسؤولة تشكل الوسيط الواعي بين الدولة والمجتمع، ووتمثل شرطا ضروريا لإعادة المعنى للسياسة واستعادة الثقة (الباب الرابع).
السيد هشام :
العديد حاولوا إصلاح الدولة من الداخل وفشلوا. ما هي ضمانات النجاح ؟
الكتاب يحكي عن هندسة المستقبل، وعن المخططات. وتاريخ الدولة كله مخططات تنموية خماسية وغيرها، ولكن بدون إنجاز.
هل الهندسة ستغير شيئا، أم ستبقى هندسة الارتجال (الليقة تجيب)
متفق معك أن أغلب الذين حاولوا إصلاح الدولة من الداخل فشلوا، والكتاب لا ينكر ذلك بل ينطلق منه. الكتاب يقول أن علاقة النخب السياسية مع الدولة قبل الثورة وبعدها كانت في أغلبها وفق منهجين: هناك من اعتبر الدولة عدوا، وهناك من اعتبرها غنيمة. وكلاهما فشل. الكتاب اعتبر الدولة مجالا لصراع إرادات وبرامج، لأنها ليست كلا موحدا وفيها قوى مصلحة مقاومة للتغيير وفيها قوى إصلاح ترغب في التجديد والتغيير أو على الأقل مؤهلة له. ويحدد الكتاب آليات الإصلاح و”الاختراق” للدولة بكثير من التفصيل بالاستفادة من تجارب دولية. (الباب الخامس).
متفق معك أيضا أن منهج المخططات التنموية التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال لم يحقق النجاح الذي تحقق في دول أخرى كانت في مستوى تنموي أقل منا (مثل كوريا الجنوبية واستونيا وغيرها)، والسبب الرئيسي هو غياب الرؤية، وتحول عملية التخطيط إلى عمل بيروقراطي فاقد للروح. والكتاب أطنب في الباب الأول في توضيح أسباب ذلك الفشل، وبين مثلا أن المخططات التنموية تعد بطريقة معكوسة : حيث يطلب من كل الوزارات والمؤسسات العمومية والولايات أن تقترح خطط ومشاريع للسنوات القادمة، ثم يحصل تحكيم في مستوى مركزي لقبول بعض المشاريع ورفض أخرى وتقاسم الميزانية المحدودة بالترضيات والمحاباة … دون أي خيط رابط.
الكتاب يقترح منهجية جديدة مختلفة تماما هي التي يسميها “هندسة المستقبل”. هندسة بعيدة كل البعد عن منطق “الليقة تجيب”. هندسة تنطلق أولا من تحديد رؤية شاملة تجيب على سؤال : ماذا نريد لتونس؟ وكيف يمكن أن تكون ويجب أن تكون خلال المستقبل المتوسط والبعيد؟ وكيف نحقق التنمية الشاملة؟ وما هي القطاعات الاستراتيجية والمشاريع المهيكلة التي يجب أن نبني عليها نهضة البلاد؟ … رؤية تشمل اعادة هندسة دور الدولة، وإعادة هندسة التوازن بين الدولة والمجتمع .. وتشمل النظام السياسي المناسب … وغيرها. هذا هو جوهر الكتاب.
السيد بشير:
قيمة الكتاب ليست في المضمون ولكن في كونه يستفزنا بأفكار ويكون دافعا للتفكير وإعادة كتابة الكتاب ..
حتى تكون هناك حياة سياسية، لا بد من رافدين: الدولة والمجتمع. هل النخب خلقت هذا النوع من التوازن؟
مقابل الدولة الممكنة، من الواجب طرح سوال : المجتمع الممكن. ما هي طبيعة المجتمع وجوهره.
الانقلاب قام به في النهاية المجتمع المدني والمؤسسات الوظيفية التي تكونه
سؤال آخر مركزي: هل هناك دولة في تونس؟
هل كانت الثورة التونسية تعدنا بإمكان قيام ديمقراطية ؟
بالنسبة للكتاب، الملاحظ هو غياب الرافد المعرفي. لماذا تم تغييبه؟
لماذا الثورة لم تحرك نخبنا المعرفية ؟
تماما، القصد من الكتابة في هذه المرحلة من الخمود هي طرح النقاش والدفع إلى التفكير. وأفكار الكتاب قابلة إلى إعادة الكتابة بعد التنضيج والحوار المفتوح.
متفق معك تماما في كون الحياة السياسية تتطلب رافدين متلازمين الدولة والمجتمع. الكتاب لا يدّعي أن النخب نجحت في بناء هذا التوازن، بل يذهب في اتجاه نقد عميق لفشلها في تأطير المجتمع، وفهم تحوّلاته، وصياغة علاقة صحّية بينه وبين الدولة، منذ بورقيبة إلى مرحلة ما بعد الثورة وصولا إلى الشعبوية الراهنة (الأبواب 1-2-3). ومن هنا يطرح، ضمنيا، سؤال «المجتمع الممكن» إلى جانب «الدولة الممكنة»، باعتبار أن أي مشروع وطني يفترض فهم طبيعة المجتمع وبنيته وقيمه وقدرته على إنتاج الفعل الجماعي لا مجرد افتراضه ككتلة أخلاقية أو ضحية دائمة. الكتاب يقدم تصورا في كيفية بناء العقد الاجتماعي الجديد ( الفصل 12 و23 ).
متفق أيضا أن ما جرى بعد 25 جويلية كان في جزء كبير منه نتيجة لهشاشة الوعي الديمقراطي داخل مكونات من المجتمع المدني والمؤسسات الوظيفية. وهنا حاول الكتاب أن يقدم صورة عن الخلفية التاريخية لمواقف المنظمات الوسيطة وأساسا اتحاد الشغل وكيف كان طيلة تاريخه جزءا من الدولة ومارس أدوارا سياسية وظيفية مصلحية (الفصل 2). ويقدم الكتاب تصورا في كيفية التعاطي السليم مع الاتحاد وبقية الهياكل الوسيطة.
السؤال حول “الدولة الممكنة” طرحته بقوة وأفردت فصلا ( 15) حول كيفية اعادة بناء دور الدولة في علاقة بالمجتمع وبالعملية التنموية، بشكل يتجاوز طبيعتها الحالية البيروقراطية الهشة. مع كسر التابوهات التي عرقلتنا لعقود (تابوه الريعية، والدولة الاجتماعية، وتجريم الخوصصة، والعلاقات مع المؤسسات المالية ..).
حول موضوع هل كانت الثورة قادرة على بناء ديمقراطية حقيقية، الكتاب طرح التساؤل في الباب الثاني من زاوية ما إذا كانت قد وفّرت الشروط الفكرية والاجتماعية لقيام ديمقراطية مستدامة، أم اكتفت بفتح أفق سياسي لم يُستثمر. وقدم قراءة مستفيضة حول أسباب تحول ذلك الأفق إلى فرصة مهدورة جديدة.
بالنسبة لغياب الرافد المعرفي، إذا كان المقصود غياب إطار فكري ايديولوجي ناظم ينطلق منه الكتاب، فهذا صحيح. وهو خيار واع نضجته شخصيا من سنوات. الكتاب لا ينطلق من أيديولوجيا جاهزة يسعى لإسقاطها على الواقع، بل من تشخيص تاريخي ومؤسسي لمسار الدولة والمجتمع، ومن تفكيك شروط الفشل قبل اقتراح شروط النهوض بالاستفادة من استخلاصات تجربتنا وتجارب الآخرين. لذلك لا يتموقع داخل صراع الأيديولوجيات الكلاسيكي، لأن هذا الصراع نفسه كان أحد عوامل استنزاف التجربة التونسية بعد الثورة. والكتاب يبحث عن أرضية مشتركة تسمح بإعادة بناء الفعل السياسي على أسس قابلة للحياة.
السيد سليم:
سؤال استفزازي: حتى في صورة استطاع الشعب استرجاع الديمقراطية وإعادة دستور 2014، الذي كان عقدا إجتماعيا متكاملا، هل سيكون قادرا على الحفاظ على الديمقراطية ؟
لعلنا نعيش في تونس أزمة “الديمقراطية المستحيلة”. والمشكل ليس من المجتمع.
الكتاب ربما كان يكون له معنى في دولة ديمقراطية حقيقية
الكتاب جاء بعقلية المثقف العضوي (نسبيا) الذي يفتقد إلى شجاعة الثائر
يجب الاقرار بشجاعة بأن التعطيل قادم لنا من الجزائر
كان لها دور مركزي في إجهاض الديمقراطية. وليس لدينا أمل في الديمقراطية في ظل وجود ذلك النظام
الثورة كانت حاملة لقيم التغيير ولكن الشعب تعرض لموجة تشويه كبيرة ومنظمة
التجربة تعرضت لمؤامرات منظومة دولية معادية.
لا يجب أن نقع في جلد الذات.
هل يمكن لنا أن ننجح من دون حاضنة إقليمية ودولية داعمة تحمينا من المؤامرات التي تستهدفنا
من دون أخذ بعين الاعتبار هذه العوامل، تظل الاطروحات المعروضة نظرية ومعلقة.
السؤال حول قدرة التونسيين على الحفاظ على الديمقراطية، حتى في حال استرجاع دستور 2014 (وأنا من دعاة تنقيح الدستور بناء على استخلاصات التجربة .. وهذا موضوع آخر) … هو سؤال مشروع. والكتاب لا يفترض أن النصوص وحدها تحمي المسارات. بل يذهب ضمنيا إلى أن الأزمة أعمق من الدستور، وتتعلق بقدرة المجتمع والدولة معا٢ على إنتاج ثقافة سياسية ومؤسسات تحمي الديمقراطية من التفكك، وهو ما يجعل الحديث عن «ديمقراطية مستحيلة» توصيفا لحالة تاريخية مأزومة ولا يجب أن يكون حكما نهائيا على المجتمع أو مصادرة للمستقبل.
الكتاب لا يُحمّل المجتمع مسؤولية الفشل، ولا ينخرط في جلد الذات، بل يعترف بأن التجربة التونسية تعرّضت لحملات تشويه منظمة، ولمؤامرات إقليمية ودولية معادية للديمقراطية، وأن غياب حاضنة إقليمية داعمة كان عامل إضعاف حاسما (الباب الثالث). غير أنّ اختياره كان عدم تحويل هذه العوامل إلى تفسير كلي يعلّق الفشل خارج الذات، بل التعامل معها كمعطيات قاسية يجب إدماجها في بناء مشروع واقعي طويل النفس وقادر على الصمود (مع معنى جديد للواقعية أطنبت في تفسيره في الباب الرابع). الجوار هو أمر واقع، والتعامل معه يتطلب الحكمة والحرص على الحوار، وليس الشعارات والاستعداء. وفي النهاية هي معركة إرادات كلما كان الصف الداخلي متماسكا كلما كانت البلاد أقوى في تلك المعركة.
أما كونه كُتب بعقل المثقف العضوي أكثر من منطق الثائر، فذلك اختيار واعٍ؛ لأن الكتاب لا يدّعي قيادة لحظة ثورية، بل محاولة تأسيس شروط سياسية وفكرية تفتح الباب لعودة -تدريجية- إلى ديمقراطية فعالة قابلة للحياة، ولا تبحث عن مجرّد لحظة انتصار رمزي سرعان ما تُجهَض من جديد بعوامل داخلية وخارجية.
السيد لطفي(باريس):
الطرح المركزي للكتاب “التغيير مع الدولة وليس ضدها”: هل هي مقاربة تونسية بحتة توصل إليها الكاتب؟
أم أنه اعتمد على تجارب مقارنة نجحت عمليا في تحقيق هذا المنهج؟ ما هي ؟
طرح «التغيير مع الدولة وليس ضدها» هو ليس اجتهادا تونسيا خالصا ولا اكتشاف شخصي، بل هو خلاصة مسار تحليلي مقارن استند إلى تجارب تاريخية نجحت في إحداث تحوّلات عميقة دون تفكيك الدولة أو الدخول في صدام شامل معها. فالكتاب يستلهم، بدرجات مختلفة، تجارب مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وإسبانيا والبرتغال، حيث قادت الإصلاحات من داخل الدولة، عبر إعادة توجيه مؤسساتها، وبناء توافقات وطنية، وتدرّج واقعي في التحول السياسي والاقتصادي.
التحليل المقارن يظهر في المقابل أن مسارات التغيير التي قامت على منطق كسر الدولة أو عزلها انتهت إمّا إلى الفوضى أو إلى إعادة إنتاج الاستبداد (الباب السادس).
هنا، الكتاب يقدم منهجا واقعيا نابعا من قراءة للتجارب الناجحة والفاشلة، ينسجم مع الخصوصية التونسية، خلاصته أن الإصلاح ممكن فقط إذا جرى مع الدولة، بإعادة بنائها واختراقها سياسيا ومؤسسيا، لا بمحاصرتها أو شيطنتها.
وقد وسعت التحليل في مقال مطول نشرته في الجزيرة في ماي 2025 تحت عنوان ” تونس أمام مفترق طرق: بين النموذج الإسباني والتجربة البرتغالية “، أدعو للاطلاع عليه لأنه يوضح نموذجين للتغيير مع الدولة قابلين جدا للتحقق في الشأن التونسي.
السيد لطفي:
السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه هو ما مدى قوة تأثيرنا على الوضع الاقتصادي
هل يقدم الكتاب رؤية للدستور المنشود وللنظام السياسي المناسب لبلادنا
قدرتنا على التأثير في الوضع الاقتصادي محدودة إذا ظلّت الدولة ضعيفة بنفس الآليات والعقليات، وظلت النخبة الاقتصادية الريعية تتحكم في الاقتصاد دون تجديد ودون كسر للاحتكارات وتحرير للمبادرة، وإذا ظلت النخب السياسية تركز في برامجها وخطابها ومعاركها الانتخابية على الأيديولوجيا ولم تتحول الرؤى التنموية إلى قلب التنافس والتكوين. الكتاب يطرح الشروط الموضوعية الكفيلة بتطوير الاقتصاد وتحقيق التنمية ويعتبر أنه من الضروري الربط بين مطلبي الديمقراطية والتنمية في أي عقد اجتماعي جديد.
وبخصوص الدستور والنظام السياسي، الكتاب فيه نقد لدستور 2014 رغم التأكيد على تقدميته، باعتباره بُني لإدارة الانتقال وفشل في بناء أفق دولة مستقرّة. وباعتباره لم يتحوّل إلى عقد اجتماعي فعلي، لأنه بقي معزولا عن الممارسة السياسية اليومية، ولم تُبن حوله ثقافة مؤسسية راسخة تُحوّله إلى مرجعية حيّة. والدليل أن تجميده وإلغاءه لم يحرّك أدنى ردود أفعال شعبية مدافعة عنه. ولذلك يدعو الكتاب للعمل على عقد اجتماعي جديد يلبي حاجيات المرحلة، عبر حوار مبتكر وغير مركزي، تنبثق عنه تحويرات دستورية تلبي الحاجة للإصلاح والنهوض الاقتصادي، وليس فقط توازنات المرحلة الجديدة.
بالنسبة للنظام السياسي، الكتاب كان واضحا تماما: ما يصلح بتونس، على الأقل في مرحلة أولى لا تقل عن عشر سنوات، هو نظام رئاسي معدل فيه ضمانات الفعالية والمساءلة، يوحد القرار التنفيذي دون الانزلاق إلى التسلّط، ويكرس هيبة الدولة مع الحفاظ على جوهر الديمقراطية، ويضمن تنفيذ خارطة إصلاحات عميقة وبرنامجا اقتصاديا متكاملا يحتاج إلى أقصى درجات الانسجام.
السيدة سهام:
نحن شعوب شفاهة. الكتابة خطوة مهمة في صناعة الوعي
الممكنة في العنوان مفهوم متحرك. لماذا ما يراه الكاتب ممكنا اليوم لم يكن ممكنا في السابق؟
وما الذي يضمن أن يكون ممكنا في المستقبل.
صحيح تماما. الكتابة هو فعل تأسيسي في صناعة الوعي الجماعي، لأنها تخرج التفكير من الانفعال إلى البناء والتراكم. ولهذا اندفعت للكتابة وأدعو كل من لديه الوقت والجهد للكتابة لأن لكل واحد استخلاصات تجربة مهمة من زاوية فريدة.
«الممكنة» في العنوان مفهوم متحرّك يرتبط بشروط التاريخ وليس بالرغبات والأحلام.
ما أراه ممكنا اليوم لم يكن كذلك سابقا. لأننا كنا نرى الواقع من خلال أوهام وتبسيطات كانت تحجب عنا عمق الأزمة. ما هو ممكن اليوم لم يكن ممكنا بالأمس لأننا غلبنا منطق إدارة الواقع على منطق تغيير ذاك الواقع. اليوم، بعد انهيار الأحلام سقطت المسلّمات التي كنا نعتقد فيها (الثورة مسار لا رجعة فيه، الفرز بين ثورة وثورة مضادة، حسبنا صدقنا !). صدمة الانهيار فتحت لنا أفق التفكير في بدائل جديدة.
لا شيء يضمن أن يصبح هذا الممكن واقعا في المستقبل إلا تحويله إلى مشروع مكتوب، قابل للنقاش والتنضيج ، ومسنود بإرادة سياسية ومؤسسية قادرة على الفعل.
السيد علي:
الكتاب فيه شجاعة كبيرة في النقد الذاتي وتواضع
الحوار من مستوى جيد وهذا النوع من الحوار يكسر الحواجز ويبني المشتركات بين المختلفين
نحتاج إلى لقاء قادم لمواصلة النقاش
أشكرك على هذا التقييم الكريم وأعتز به.
استفدت كثيرا في الكتاب من الحوارات التي حصلت بيننا وحصلت مع أصدقاء عديدين ومنهم من تنقلت له خصيصا في دولة أخرى لمناقشة موضوع في مجال اختصاصه المباشر.
حاولت في هذا الكتاب أن يكون النقد موجّها أولا إلى الذات وإلى تجربتنا الجماعية، انطلاقا من قناعة بأن أي مشروع جاد يجب أن يبدأ بالاعتراف بالحدود قبل ادّعاء الحكمة وتقديم الاجابات. أظن أن تعميم هذا التمشي (دون اكراه أو اشتراطات) سيفتح الباب لاعادة بناء الثقة في النقاش العمومي.
يسعدني أن يكون الحوار قد ساهم في كسر الحواجز وبناء المشتركات، فهذا في حدّ ذاته خطوة أساسية.
وبكل سرور، يبقى اللقاء القادم فرصة طبيعية لمواصلة هذا النقاش وتعميقه.
السيد العميد الكيلاني:
الكتاب هو خلاصة لتجربة كبيرة
هو يصدر في ظرف صعب جدا قد يكون الاصعب الذي يمر به الشعب التونسي منذ الاستقلال خاصة في مجال انهيار الخدمات وتدهور شروط الحياة
مشكلة تونس الرئيسية اليوم هي الدكتاتورية
لا يمكن الخروج من الأزمات الراهنة إلا بتجميع القوى الحية وتجاوز المشاكل الشخصية
أشكرك على هذه القراءة وأعتز بها. فعلا، هذا الكتاب هو خلاصة تجربة طويلة متشعبة، فردية وجماعية، فيها نجاحات وإخفاقات، ويصدر في لحظة صعبة جدا تجلى فيها فشل سياسات الأنظمة المتعاقبة، وليس فقط النظام الحالي.
متفق معك أن الدكتاتورية هي اليوم هي المأزق الأول الذي يتوجب علينا التصدي له، ولكنها ليست العائق الوحيد. غياب الرؤية الواضحة للبديل هو أيضا مأزق كارثي يهدد مستقبل البلاد.
نعم، التجميع ضد الاستبداد ضرورة. ولكني لست شخصيا مع تجميع هلامي أو ظرفي قائم فقط على شعار إسقاط النظام، بل مع تجميع يقوم على نقاش جدي للأفكار والتصوّرات والبدائل، وعلى مشتركات أساسية قيمية لا غنى عنها.
ولا يجب أن نخشى من تعدّد المقاربات، لأنه يمكن أن يفتح المجال لتنوّع أشكال مواجهة الواقع، وربما يتيح حلولا لم تكن مرئية ضمن رؤية واحدة مغلقة.
تجربة 2011 علمتنا أن إسقاط نظام دون مشروع مشترك لا يصنع تغييرا، بقدر ما يفتح الباب لإعادة إنتاج الأزمات نفسها. ويا خيبة المسعى إن سقط النظام دون أن نستفيد من دروس الماضي، فنكرّر الأخطاء ونُهدر فرصة تاريخية جديدة. في هذا الإطار، يدعو الكتاب إلى تجميع القوى الحيّة على قاعدة الوعي والرؤية وتكامل المقاربات، لا الاندفاع وردّ الفعل.
السيد حسين:
أهمية الكتاب لا تقتصر على تونس بل المنطقة
من المهم جدا طرح البدائل المستقبلية في كل دولة من دولنا، وتبادل التجارب.
في هذا الإطار هناك كتاب صادر أخيرا تحت عنوان ليبيا الممكنة
من أسباب عدم نجاح الحراك الجزائري أنه لم يستفد من تجارب الشعوب الشقيقة وخاصة التجربة التونسية
تفاعلا مع الأخ سليم : من الخطأ الاستراتيجي استعداء النظام الجزائري واعتبار أن التغيير في تونس لن يكون ممكنا إلا بتغيير النظام الجزائري.
أشكرك على هذا التدخّل القيّم. وأشكر لك دعمك ونصحك في أكثر من مناسبة بخصوص بعض أفكار الكتاب. استفدت كثيرا من نظرتك العميقة.
قدمت الكتاب قبل أسبوعين لمجموعة من الشباب العربي المشارك في أكاديمية سياسية، ووردتني ملاحظة متواترة من شباب من دول عديدة (مصر، ليبيا، اليمن، سوريا، السودان، الصومال) يؤكدون أنه لو نغير أسم البلد في العنوان ببلادهم يستقيم الأمر لأن الكثير من الاستخلاصات تنطبق تماما على واقعهم. التحديات التي تواجهها بلداننا متشابهة وكل دولة في أشد الحاجة للعمل على رؤى مستقبلية بديلة، مع تبادل التجارب والتقييمات.
المرحلة تتطلب منا جميعا التفكير في الممكن بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات.
أشكر لك التقييم المهم بأن أحد أسباب تعثّر الحراك الجزائري كان محدودية الاستفادة من تجارب الشعوب الشقيقة، وخصوصا التجربة التونسية لتشابه الواقع.
أمّا بخصوص الإشارة إلى دور جزائري متواصل في استهداف الديمقراطية في تونس وفي ارتهان سيادتها، أشاركك الرأي أن استعداء النظام الجزائري أو ربط التغيير في تونس بتغيير النظام في الجزائر لا يخدم مصلحتنا في تونس، وسيزيد من تعطيل تغيير تحتاجه البلاد والمنطقة ولا يشكل بالضرورة خطرا على الجيران. يجب أن نعمل على الإقناع ان التغيير في البلاد يعزز الاستقرار في كامل المنطقة، وأن دعم وضع راهن منسد قد يقود إلى انفجار خطير يهدد كامل الإقليم. نحن في مرحلة إقناع ولسنا في مرحلة مغالبة (لسنا قادرين عليها في كل الحالات). وعلينا قبل كل ذلك أن نركز على إصلاح وضعنا الذاتي. لو هناك استلاب للسيادة، فالمشكل فينا بالدرجة الأولى وليس في من يخطط للحفاظ على مصالحه. عندما تكون جبهتنا الداخلية قوية ورؤيتنا واضحة وقرارنا شرعية سنفرض الاحترام على الجميع.
===================
شكرا لكم جميعا على المشاركة في النقاش وعلى التفاعلات العميقة، وعلى جهدكم وصبركم في قراءة هذه الردود. على اللقاء قريبا لمواصلة النقاش.
