عماد الدائمي
سياسي وكاتب تونسي
حاصل على شهادة الدراسات المعمقة في اقتصاديات التنمية من جامعة فرساي بفرنسا
مهندس مستشار في منظومات المعلومات عمل في شركات دولية كبرى
تولّى مسؤوليات وطنية وتشريعية، وأسّس “مرصد رقابة“ لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والحوكمة.
ترشّح للانتخابات الرئاسية سنة 2024
هذا الكتاب خلاصة تجربة فكرية وميدانية طويلة داخل الدولة وخارجها،
دعوة إلى التغيير بالعقل والشجاعة، ومع الدولة لا ضدها.
اقتباس من مقدمة الكتاب
جئت إلى هذا العمل من موقع مزدوج: كنتُ يوما في قلب مؤسسات الدولة، مستشارا في موقع قرار، ثم مُشرِّعا ورقيبا أسائلها من الداخل. ثم انسحبت، لا هربا من المسؤولية، بل بحثا عن موقع آخر للنضال في المجتمع المدني، محاربا للفساد وناشرا ثقافةَ الرقابة والشفافية والإصلاح. ثم عدت، حين بدا لي أن معركة الأفكار أهم من معركة المواقع. ترشّحت للرئاسة لا طمعا في سلطة، بل إيمانا بأن الأفكار لا تعيش في الظل، وأنه لا بد من الصعود إلى السطح، ومواجهة الرداءة من داخل الحلبة، ولو كانت مغلقة.
التجربة داخل الدولة
خلال تجربتي في المجلس الوطني التأسيسي، ثم داخل مؤسسة رئاسة الجمهورية، ولاحقا في مجلس نواب الشعب، عشتُ مسارا نضاليا منحني معرفة دقيقة بقلب الدولة وآليات عملها. في الرئاسة، ساهمتُ في إصلاح المنظومة الإدارية والمالية، وأعدتُ تنظيم الهياكل بما ينسجم مع مبادئ الرقابة والشفافية، وساهمت في أقلمة مؤسسة كانت لعقود مركزا للسلطة المطلقة مع روح الجمهورية الديمقراطية الناشئة.
وفي التجربة البرلمانية، كنتُ في صلب المعارك التشريعية الكبرى، ومقرّر لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية، ومرّت عبر عملي أهم القوانين التقدمية في مكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، وترسيخ حقوق الإنسان.
واجهتُ مقاومة شرسة من شبكات النفوذ التي تعرقل الإصلاح، وخضت معارك الرقابة وكشف الملفات، وتعلّمت من الاحتكاك اليومي بالإدارة أن التغيير الحقيقي يحتاج إلى رؤية واضحة، وشجاعة في اتخاذ القرار، وقدرة على بناء تحالفات واسعة تدفع الدولة إلى القيام بوظيفتها الأساسية: خدمة المواطن وحماية الصالح العام.
هذه الخبرة المتراكمة أصبحت اليوم جزءا من البنية الفكرية لهذا الكتاب، وركنا في فهم ما يجب إصلاحه وما يمكن إنجازه.
تجربة مرصد رقابة
اخترت مغادرة البرلمان والابتعاد عن العمل الحزبي والمواقع الرسمية لأتفرغ لمعركة أعتبرها جوهرية لبناء الدولة الحديثة: معركة مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة من موقع المجتمع المدني. كان ذلك قرارا واعيا، نابعا من قناعة بأن الإصلاح العميق يحتاج أحيانا إلى مسافة تسمح بالرؤية الأوسع، وإلى فضاء حرّ يرفع سقف الرقابة والمساءلة.
ومن هذا الاختيار وُلدت تجربة “مرصد رقابة” التي تحولت إلى ورشة عمل مفتوحة على الواقع الإداري اليومي: مئات مطالب النفاذ إلى المعلومة، تتبّع دقيق للانحرافات، قضايا أُحيلت إلى الهياكل الرقابية والقضائية، مساندة لمواطنين تعرضوا للظلم الإداري، ورصد مستمر لوضعية المؤسسات العمومية والمالية العمومية. كان الهدف حماية المرفق العام، وترسيخ ثقافة الشفافية، واستعادة ثقة المواطن في الدولة عبر الفعل لا الشعارات.
وقد منحتني هذه التجربة معرفة معمّقة بمؤسسات الدولة في تفاصيلها الدقيقة، من جذورها القانونية إلى ديناميكياتها اليومية، وكشفت لي أركان الوهن ومواطن الخلل بحسّ عملي لا يوفّره العمل الرسمي وحده. والأهم أنها أبرزت شبكة واسعة من الكفاءات الوطنية المنتشرة داخل أجهزة الدولة؛ رجالا ونساء يملكون الخبرة والنزاهة والقدرة على الإصلاح. هذه الشبكة أصبحت اليوم أشبه بـ”الدولة العميقة الإيجابية”: رصيدا وطنيا حيّا قادرا على قيادة التحول حين يحين الزمن السياسي المناسب، وركيزة أساسية لكل مشروع إصلاحي جاد.
لماذا ترشحت للانتخابات الرئاسية 2024 ؟
ترشّحتُ للانتخابات الرئاسية لأنني قدّرت، بوعي كامل لطبيعة اللحظة، أنّ البلاد كانت تنزلق نحو انسداد خطير يهدّد الدولة ومؤسساتها. لم يكن الترشح صدى لطموح شخصي، ولا نتيجة قراءة ساذجة لطبيعة النظام أو لوهمٍ بإمكانية انفتاحه على انتخابات نزيهة؛ بل كان موقفا يمليه الشعور بالمسؤولية والالتزام الأخلاقي تجاه وطن يواجه منعطفا حاسما. كان هدفي وضع مشروع واضح في مواجهة الفراغ، وتقديم بديل جاد يواجه التدهور المتسارع، ويمنح التونسيين بوصلة عملية للخروج من التيه. لقد كان ذلك الترشح فعل تحدٍّ أكثر منه سعيا إلى منصب، ومحاولة لفتح أفق سياسي جديد يُعيد الاعتبار للفكر والبرنامج والكفاءة، ويُثبت أن السياسة ما تزال قادرة على حمل مشروع وطني يُصاغ بالعقل والجرأة.
شهادة ذاتية … في النقد الذاتي
قدّمتُ في هذا الكتاب مراجعات جديّة تشكّل أحد أعمق تمارين النقد الذاتي في مسيرتي. اخترت أن أبدأ بنفسي قبل أن أدعو غيري إلى المراجعة، لأن المصارحة شرطٌ أساسي لبناء وعي سياسي جديد. انطلقت من قناعة بأن فهم إخفاقات العشرية لا يكون بالاتهامات المتبادلة، بل بتحمّل كل فاعل لمسؤوليته التاريخية. لهذا أنشر شهادتي كما عاشتها التجربة، بتعقيداتها وأخطائها وما ولّدته من دروس، حتى نقطع مع ثقافة الإعفاء من المسؤولية ونضع أسس نقاش وطني صريح حول ما حدث، وكيف نبني ما يجب أن يأتي.
وهذه الدعوة موجّهة لكل قارئ للاطلاع على هذا الفصل المهم، لأنه لا يستعيد الماضي بغرض الإدانة، بل يقدّم إطارا لفهم جذور الإخفاق الجماعي، ولتأسيس ممارسة سياسية أكثر نضجا وقدرة على تجاوز دورات الفشل المتكررة.

