الأستاذ عبد السلام الزبيدي : الدائمي في كتابه “تونس الممكنة”..من الفرص المهدورة إلى التعاقد الاجتماعي “فوق الدستوري” (2)
مقال الأستاذ عبد السلام الزبيدي ببوابة تونس – Tunigate
25 جويلية فرصة مهدورة تضاف إلى الاستقلال والثورة..عماد الدائمي يُفصّل القول في الانتقال من سياسية الممكن إلى النضال لجعل الممكن ضروريا.
ختم عماد الدائمي كتابه “تونس الممكنة” بنداءٍ موجّه إلى كلّ التونسيين قائلًا: “أنت يا من يقرأ الآن، لست مجرّد شاهد على سردية، أنت مدعوّ لتكون فاعلا في كتاب تونس القادم. فلنكن نحن الجسر بين تونس التي تؤلمنا، وتونس الممكنة التي نحلم بها. فلنكن نحن فجر تونس الذي نستحقّه، والذي سنصنعه بأيدينا”. ثمّ شفع الخاتمة بقول طُبِع بالبنط العريض وهو: “الكلمة الأخيرة..هي الخطوة الأولى”. وبعد الخاتمة والفهرس، أي “خارج النص-السردية-خارطة الطريق-البرنامج” استعاد عبارته الرمزية “ما يصح إلاّ الصحيح”.
يكشف ما جاء عند انتهاء الكلام-القول عن أنّ القصد من الكتاب بصفحاته ال439 ليس تقديم السردية في حدّ ذاتها أو الشهادة الذاتية أو خارطة الطريق أو البرنامج المُفصّل، وإنّما الدعوة إلى العمل من أجل إخراج تونس من عالم الإمكان الجميل إلى الواقع المعيش والملموس. الكتاب بهذا المعنى ليس تأريخا أو أدبا أو فكرا سياسيا نظريا، بل هو دعوة مفتوحة إلى قراءة جذرية للفشل المزمن بغاية تجاوزه بعين تنظر إلى مستقبل أفضل. هذا المستقبل مشروطٌ بلحظة غلق قوس لم يكشف لنا الكاتب عن كيفياته أو أوانه، مكتفيا بالتلميح الذي لا تخفى دلالاته.
25 جويلية 2021، فرصة مهدورة؟!
في المقال الأوّل المخصّص لتقديم الكتاب والمعنون ب “الدائمي في كتابه “تونس الممكنة”..الفِعْل السياسي مع الدولة وليس ضدّها”، تجوّلنا بين المرجعيات وما وصفناه بالفراغات أو البياض. وقدّمنا إشارات حول مفهوم مركزي في الكتاب وهو “الدولة العميقة” التي ارتقى بها المؤلِّف عماد الدائمي إلى مقام الأداة التفسيرية لما حدث منذ لحظة الاستقلال سنة 1956 إلى لحظة 25 جويلية 2021 وما تلاها. وهي عامل محدّد لتلافي عقبات الماضي من فشل وإهدار فرص لو تمّ التعاطي معها بما يجعلها عنصر إصلاح وليس عامل إعادة إنتاج الهيمنة السلطوية والريعية وتصريفها جهويا، فهي العصبية في تمظهرها المعاصر. وكانت خاتمة المقال جولة بين عناوين الأبواب السبعة والفصول الستة عشر.
وفي هذا المقال الثاني، سيكون الاقتصار على نتف وإشارات من الكتاب. القصد الأوّل منها تقديم مضمون يدفع إلى الحوار في زمن عزّت فيه فضاءات قدح الآراء بعضها ببعض. وستسمح هذه النتف المنتقاة بمزيد التعريف بالكتاب ومضمونه. فالانتقاء بما هو زاوية اختيار ومقاربة من أسس العمل الإعلامي، والتعريف بالكتب ومضامينها يُعدّ أحد غايات الإعلام وأهدافه، ألا وهو التثقيف.
تساءل الدائمي في الصفحة 144 وما تلاها، ماذا لو مثّلت لحظة 25 جويلية 2021، بما فيها ( حسب قوله) “من غدر وعدوان على الدستور، فرصة لبناء الدولة على أسس جديدة؟. هل ساق لنا القدر هذا المسار غير المتوقّع لجرف نخبة أثبتت فشلها؟”.
وهنا من المشروع التساؤل، هل من المقبول لسياسي تقلّب بين المعارضة في الداخل والمهجر وإدارة ديوان رئاسة الجمهورية وتمثيل الشعب في البرلمان وتصدّر العمل المنظماتي الكاشف للفساد أن يعتبر حدثا جللا أغلق قوس الانتقال الديمقراطي (حتى لا نقول مسار الثورة) بأنّه غير متوقّع؟. فكأنّي به يقول إنّ النخبة، التي هو منها، فاشلة لعجزها عن الاستشراف في محطات كثيرة. ومن يدري لعلّ هذا الفشل المزمن متواصل حتى عند صياغة الكتاب؟. والمقصود بهذا الاعتراض ليس الدائمي في حدّ ذاته، بل سؤالي أعمق وأشمل ويتنزّل ضمن المقصد الأوّل للمقال كما هو مثبت أعلاه.
في ذات الصفحة يذكر الكاتب أنّه تخيّل أحيانا “ماذا لو تمّ هذا الانقلاب على يد شخص أكثر عقلانية وحكمة، وأقلّ انغلاقا وفردية، وأصدق التزاما بالإصلاح؟”. ليضيف في الصفحة الموالية وبعد أن أدرك بأنّ ما جرى لم يكن محطة تصحيح، أنّ تلك اللحظة كانت “فرصة مهدورة جديدة تُضاف إلى فرصتين سابقتين: الاستقلال والثورة. فرصة ثالثة ضاعت، وهذه المرّة باسم الشعب نفسه”.
والدائمي يصف لحظة 25 جويلية 2021 بأنّها انقلاب، وفي ذات الوقت يعتبرها فرصة مهدورة. وقد تخيّل (ربّما تمنّى) أن يقوم بها رجل بمواصفات أخزى غير مواصفات رئيس الجمهورية قيس سعيّد. فكيف يمكن أن نفهم هذا التحوّل من الإيمان بالثورة ومقولاتها، ثم بالإصلاح سبيلا للتغيير الهادئ والجذري في آن واحد، ومنهما إلى اعتبار الانقلاب فرصة إن كان ضمن شروط معيّنة للشخص المنقلب؟.
صدقا، أنا عاجز عن الفهم لقصور ذاتي. ولم يتيسّر لي فهم هذا النَوَسان إلاّ باليأس من التغيير عبر الوسائل التي تحظى بالشرعية والمشروعية. ومرّة أخرى المهم في الملاحظة أنّها تفتح بوابة الحوار حول هذه المعضلة بغض النظر عن قائلها، وفضْلُ الكتاب أنّه أثارها.
ما السبيل إلى “إحياء السياسة” بعد موتها؟
اعتبر المؤلِّف أنّ تونس اليوم لا تحتاج إلى ما أسماه بالشعبوي المنقذ، و”كلّ ما نحتاج إليه هو التوصّل إلى عقد اجتماعي جديد يكون بوصلة جامعة للتونسيين. والتحدّي المطروح هو فتح أفق تاريخي يطوي صفحة الانهيار، ويفتح درب البناء، عبر تغيير عميق يرسّخ دولة عادلة ومجتمعا متضامنًا”(الصفحة 190). ولن يتحقّق هذا الهدف المنشود حسب الدائمي إلاّ ب”مغادرة سياسة “إدارة الممكن” نحو نضال “خلق الممكن”. ويصف هذه الدعوة بأنّها ” نداء لاعتماد واقعية جديدة تشتبك مع الواقع لتغييره، ولبناء قيادة تتعامل مع اللحظة الصعبة بوصفها نقطة انطلاق لا محطة انتظار” (الصفحة 196).
كلام جميل ومحفّز ومليء باجتراح العبارات التي تُشكّل سلّة دلالية خاصة بالمؤلف، من بينها “إدارة الممكن” و”خلق الممكن” وغيرها من العبارات المستخدمة في الكتاب. ورغم أنّه لدينا أسئلة قد تعيدنا خطوات إلى الوراء في هذا المجال، فإنّي أكتفي بالإشارة بهدف الدفع إلى الحوار في فضاءات تتوفّر على شروط إمكان هذا التحاور.
ويقدّم الدائمي خلال عرضه لرؤيته التغييرية والإنقاذية سُبُل “إحياء السياسة” عبر تفسير المفهوم أوّلا، وتعداد الأركان ثانيا (التحرّر من الهويات القاتلة، وربط السياسي بالاجتماعي، والتمكين الحقيقي للشباب، والثقة والمصداقية)، ليقدّم إثر ذلك “خارطة طريق لإحياء السياسة: خمس موجهات عملية”. ومن أهم الموجهات تجديد حقيقي للقيادات، علما وأنه عرض في موضع آخر مواصفات القيادة الجديدة بما هي شبابية وبنت عصرها ومتعددة الكفاءات وجماعية ومنقطعة عن الأسماء منتهية الصلاحية (الوصف لي وليس للكاتب). ويتمثّل الموجّه الثاني في تجاوز بشكل حاسم منهج “فن الممكن” نحو النضال من أجل تحويل الضروري إلى ممكن.
أمّا الموجّه الثالث فهو المبادرة ببناء استراتيجية للمستقبل دون انتظار الظروف السياسية المثالية. والرابع حوار وطني مبتكر وشامل، عبر مبادرات متعددة للمجتمع المدني في الداخل والخارج والاستفادة من المنصات الرقمية ضمانا لمشاركة مواطنية واسعة. ليكون الموجّه الأخير تحفيز المبادرات المستقلة داخل الهياكل الحزبية التقليدية.
هكذا يرى الدائمي إمكانية الإحياء، إنّه بعث جديد في انتظار لحظة قد تأتي أو لا تأتي. ما يميّز هذه الدعوة إلى الإحياء هو الحرص على العمل حتى ولو كان على شاكلة بناء سفينة في الصحراء انتظارا لمياه طوفانية مصدرها القدر المخفي والعميق. هذه فاتحة تساؤل ضمني، شرف الدائمي أنّه فكّر ودعا العموم للمشاركة بسبل شتّى، شرفه أنه قطع مع عقلية الانتظار، وأنّه تسلّح بالأمل. ذاك الأمل الذي يتغذّى به الفعل لإحياء السياسة التي أماتتها الشعبوية، وفق المعجم الاصطلاحي لكتاب “تونس الممكنة”.
نحو تعاقد اجتماعي “فوق دستوري”
قدّم الدائمي ابتداء من الباب الرابع ما أسماه “محاولة لبناء ملامح تعاقد جديد يجيب عن أسئلة المرحلة، ويضع شروط التأسيس السليم، ويرسم معالم الخروج من الانسداد نحو مشروع وطني جامع”. وأوضح أنّ “التعاقد لا يعني بالضرورة الوصول إلى اجماع شامل”.
وردّ الدائمي عن سؤال مفترض حول سبب عدم اعتباره دستور 2014 تعاقدا وطنيا جديدا. فبعد ذكر إيجابيات ذاك الدستور، استدرك قائلا”غير أنّ هذا الدستور رغم شرعيته الرمزية ومضامينه التقدمية، لم يتحوّل إلى عقد اجتماعي فعلي، لأنه بقي معزولا عن الممارسة السياسية اليومية، ولم تُبن حوله ثقافة مؤسسية راسخة”. ثم دعا إلى عدم الخلط بين مفهومي العقد الاجتماعي والدستور. “فالعقد الاجتماعي هو الإطار التأسيسي الأوسع الذي يحدد الخيارات الكبرى للمجتمع … أمّا الدستور فهو أداة تقنية وقانونية لترجمة تلك الخيارات إلى قواعد مرجعية تنظّم العلاقة بين السلطات”. ليخلص إلى اعتبار “التعاقد الوطني إطار أعمق من النصوص وأسبق من الدساتير”.
كلام خطير، بمعنى مهم جدا، مقارعته من اختصاص أساتذة القانون الدستوري ومتخصصي العلوم السياسية. وليسمح لي الدائمي بالتساؤل عن مدى معقولية تحويل الدستور إلى مجرد أداة تقنية، وعن أسباب اللجوء إلى نص ما فوق دستوري؟ وهو منزع استمر من خلال اقتراح هيئة ما فوق حكومية… هذا الاتجاه يحتاج تفسيرا، ولو فصّلنا في الاعتراض لطال.
يقدّم الدائمي طوال الشطر الثاني من الكتاب برنامجا تفصيليا لما بعد إغلاق قوس اللحظة السياسية الحالية حسب وصفه. البرنامج ثريّ جدا، فهو برنامج دولة ومشروع مستقبل، وليس مجرد ورقات حملة انتخابية. ومن مميزاته الواقعية وإمكانية التطبيق، والإيمان بأنّ تونس الممكنة ليس مجرّد إمكان بل ضرورة. ولن نخوض في تفاصيل البرنامج لأكثر من سبب…وكل الرجاء أن تكون تونس ورشة مفتوحة للتنافس حول تحقيق أفضل ممكناتها.
المصدر :
https://shorturl.at/Li4aD
